صحه
أخر الأخبار

التجميد العلاجي للأعصاب.. الدكتور عمرو سعيد يكشف عن ثورة “العلاج الوظيفي” لآلام المفاصل والعمود الفقري دون جراحة

يمثل الألم المزمن الناتج عن أمراض العمود الفقري والمفاصل تحديًا علاجيًا معقدًا، خاصةً لدى المرضى الذين لا يجدون تحسنًا كافيًا باستخدام الأدوية التقليدية والعلاج الطبيعي، أو الذين لا تناسبهم العمليات الجراحية المفتوحة. وفي إطار البحث المستمر عن بدائل آمنة وفعالة، سلّط الدكتور عمرو سعيد، مدرس واستشاري علاج الألم التداخلي بالأكاديمية الطبية، الضوء على تقنية “التجميد العلاجي للأعصاب” (Cryoneurolysis أو Cryoanalgesia)، كواحدة من أحدث التقنيات التداخلية محدودة التدخل لتخفيف الألم وإعادة الأمل للمرضى.

ما المقصود بالتجميد العلاجي للأعصاب؟
أوضح الدكتور عمرو سعيد أن هذه التقنية تعتمد على تطبيق درجات حرارة شديدة الانخفاض بصورة دقيقة وموجهة مباشرة نحو عصب طرفي أو فرع عصبي حسي مسؤول عن نقل إشارات الألم من مفصل أو تركيب تشريحي محدد، دون التأثير على الألياف الحركية المسؤولة عن الحركة.

وبيّن الاستشاري أن الإجراء يتم من خلال وضع إبرة أو مسبار تبريد خاص بالقرب من العصب المستهدف تحت التوجيه اللحظي لوسائل التصوير المتقدمة، مثل الموجات فوق الصوتية (السونار الحركي) أو الأشعة التداخلية، بحسب موقع العصب وطبيعة الحالة.

ونبّه الدكتور عمرو سعيد إلى حقيقة علمية هامة، وهي أن الهدف من التجميد ليس تدمير العصب؛ إذ تؤدي البرودة الشديدة إلى إحداث تعطيل محكوم ومؤقت في التوصيل العصبي (التنكس الواليري للألياف العصبية) مع الحفاظ الكامل على الأغلفة والهيكل الداعم للعصب، مما يسمح له بالنمو واستعادة وظيفته وتكوينه الطبيعي تدريجيًا بمرور الوقت. لذا، فإن التأثير يعد طبيعيًا وظيفيًا وليس تدميريًا، ويساعد المريض على الحركة وممارسة العلاج التأهيلي بصورة أفضل.

هل يعالج التجميد المرض نفسه؟
أكد الدكتور عمرو سعيد أن التجميد يُعد “علاجًا وظيفيًا للألم”؛ حيث يستهدف أي مرض تكون التهابات الأعصاب أحد مكوناته الأساسية، وبالتالي يمكن دمجه بمرونة فائقة ضمن أي برنامج علاجي متكامل ومناسب للحالة.

1. التجميد في علاج خشونة مفصل الركبة
بناءً على الاكتشافات الطبية الحديثة التي أثبتت أن معظم الآلام المصاحبة لخشونة الركبة تنبع من التهاب الأعصاب المحيطة بها، أشار الدكتور عمرو سعيد إلى أن الخشونة تعد من أكثر الحالات الطبية استفادة من تقنية التجميد.

وتستهدف التقنية الفروع العصبية الحسية والجلدية والمفصلية حول الركبة لتقليل إشارات الألم دون المساس بالقوة العضلية. وأظهرت الدراسات والمراجعات المنهجية الحديثة (حتى عام 2025) تحسنًا ملحوظاً في مستويات الألم والوظيفة الحركية وجودة حياة المرضى، مع الإشارة إلى أن استمرارية التأثير تتوقف على استجابة نسيج أعصاب المريض ومدى التزامه بالحفاظ على ركبته وتجنب الإجهاد الميكانيكي.

وشدد الدكتور عمرو على أن كفاءة الطبيب ومدى تدريبه وخبرته هي العامل الأساسي والفيصل في وضع البروتوكول العلاجي المناسب لكل حالة، نظراً لاختلاف عدد دورات التجميد والمسافات بين مسبار التبريد والعصب من مريض لآخر.

2. علاج آلام مفاصل الفقرات القطنية (أسفل الظهر)
أوضح الدكتور عمرو سعيد أن العديد من حالات آلام أسفل الظهر المزمنة تنشأ من المفاصل الوجيهية الصغيرة الموجودة خلف الفقرات القطنية، حيث تنتقل الآلام عبر الفروع الإنسية للأعصاب الخلفية.

وفي الحالات التي يتأكد فيها أن المفصل الوجيهي هو المصدر الفعلي للألم من خلال الفحص السريري الدقيق والحقن التشخيصية الموضعية، يتم استهداف هذه الفروع بالتجميد. وأظهرت المتابعات الطبية انخفاضاً كبيراً في متوسط درجات الألم من مستويات حادة (تصل إلى 7.7 قبل الإجراء) إلى مستويات منخفضة جداً (تصل إلى 3.0 بعد ستة أشهر من الإجراء)، مما يمنح المريض قدرة ملموسة على أداء أنشطته اليومية.

ونبّه الاستشاري إلى أن وجود خشونة في الأشعة لا يعني حتمية كونها مصدر الألم؛ فقد يكون السبب غضروفيًا أو عضليًا، وهنا تبرز أهمية الفحص الإكلينيكي لاستبعاد الأسباب الأخرى.

3. آلام الفقرات العنقية (الرقبة)
أشار الدكتور عمرو سعيد إلى أن التقنية قابلة للتنفيذ وبأمان أيضاً في علاج متلازمة المفاصل الوجيهية العنقية لتقليل آلام الرقبة المزمنة، كخيار واعد تدعمه التقارير السريرية الحديثة.

مقارنة التجميد بالتردد الحراري: تفوق مستمر
وفي مقارنة علمية، أوضح الدكتور عمرو سعيد أن التجميد يعتمد على خفض الحرارة لتعطيل الألم مؤقتاً، بينما يستخدم التردد الحراري النبضي غير الحارق نبضات كهربائية للحد من الارتفاع الحراري. وأكد أن القاعدة العلمية والخبرة الفنية تسمح بالقول إن التجميد يمتلك أفضلية مستمرة في العديد من الحالات، ويتوقف الاختيار النهائي بينهما على طبيعة وموضع العصب المستهدف، والخبرة الفنية للطبيب، والمخاطر المتوقعة لكل حالة على حدة.

من هم المرشحون للعلاج بالتجميد؟
حسَب الدكتور عمرو سعيد، يُعد المرضى مرشحين مثاليين لهذه التقنية في الحالات التالية:

ارتباط الألم بعصب حسي محدد تشريحيًا.

عدم تحقيق العلاج التحفظي والأدوية لتحسن كافٍ.

تأكيد وسائل التشخيص والحقن الاستكشافية أن العصب المستهدف هو المسؤول عن الألم.

غياب أي دواعي جراحية عاجلة (مثل الضعف الحركي المتفاقم أو الضغط الشديد على النخاع الشوكي).

موانع ومحاذير تتطلب الحذر
أكد الدكتور عمرو سعيد على ضرورة تقييم كل حالة بشكل فردي، محذراً من تطبيق التقنية في وجود عدوى نشطة، اضطرابات تجلط الدم غير المضبوطة، الحساسية المرضية الشديدة للبرودة، أو وجود توقعات غير واقعية باعتبار الإجراء علاجاً نهائياً للخشونة البنائية أو الانزلاق الغضروفي بدلاً من كونه علاجاً وتجديداً للأعصاب الملتهبة. كما يُمنع تماماً تطبيق التقنية على النسيج العصبي المركزي أو الاقتراب من الأعصاب الحركية.

الآثار الجانبية ومدة التحسن
طمأن الدكتور عمرو سعيد المرضى بأن المراجعات والأبحاث الطبية أثبتت أن المضاعفات المسجلة غالباً ما تكون بسيطة جداً، مؤقتة، أو منعدمة تماماً. وتعتمد مدة التحسن على سرعة تجدد العصب ودقة استهدافه ومدى التزام المريض بالتأهيل، كما يمكن تقنياً تكرار الإجراء بأمان عند عودة الألم بعد فترة زمنية طويلة، بشرط إعادة تقييم مصدر الألم والتأكد من عدم تغيره.

الخلاصة:

يؤكد الدكتور عمرو سعيد أن التجميد العلاجي للأعصاب (Cryoneurolysis) يمثل حلاً ثورياً ومحدود التدخل، يُجرى بأمان تام داخل عيادة علاج الألم تحت التخدير الموضعي وتوجيه السونار أو الأشعة، ليعيد صياغة مفاهيم السيطرة على الألم المزمن ويغني المرضى عن تعقيدات الجراحة ومخاطر المسكنات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *