رصاص الإسفلت.. هل نوقف “مذبحة” الثواني الأخيرة؟ العين السابق عبدالحكيم محمود الهندي

رصاص الإسفلت.. هل نوقف “مذبحة” الثواني الأخيرة؟
العين السابق عبدالحكيم محمود الهندي
بينما ننشغل بصراعات الحياة اليومية، تدور على طرقاتنا حربٌ صامتة لا يحكمها منطق ولا تبررها غاية. إن ما نشهده اليوم في شوارعنا لم يعد يندرج تحت مسمى “حوادث” بالمعنى القدريّ للكلمة، بل هو “إرهاب إسفلتي” مكتمل الأركان، يُنفذه متهورون بأسلحة من حديد، ضحاياه أبرياء لم يكن ذنبهم سوى أنهم شاركونا حق الطريق.
إن احتفال الأردن بيوم المرور العالمي وأسبوع المرور العربي هذا العام، في الرابع من أيار، يأتي محملًا بأسئلة وجودية تتجاوز لغة الشعارات. فنحن اليوم أمام تحول تاريخي في فلسفة الردع؛ فمع مطلع عام 2026، لم يعد القانون المعدل لسنة 2023 مجرد نصوص في الجريدة الرسمية، بل أصبح “مشرط جراح” استأصل ثقافة “الواسطة” التي طالما عطلت مفعول العدالة المرورية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي على خط المواجهة، باتت الرقابة الآلية عيناً لا تنام، تُحاصر التهور وتقلم أظافر الاستعراض الكاذب الذي يمارسه بعض صغار السن أو الباحثين عن مهارة وهمية تتلاشى في “لمح البصر” عند أول اصطدام
لكن الدولة الأردنية، في نيسان 2026، قررت أن تذهب إلى أبعد من المخالفة الورقية، فأطلقت مبادرة “حوادث أمام أعينكم”. هذه المبادرة هي “مانشيت” مرئيّ صارخ، يضع حطام المركبات القاتلة في الميادين العامة ليحدث “زلزالاً بَصرياً” في وعي السائقين. إن عرض هذا المعدن الملتوي نتاج السرعة والجنون ليس استعراضاً للقوة، بل هو دعوة للبكاء على عقل غاب، وحياة سُرقت، وإعاقة دامت لمدى الحياة. إنها رسالة تقول: “هذا ما تبقى من السرعة، فأين المهارة؟”
إننا اليوم، ومسؤوليتنا الوطنية تملي علينا قول الحقيقة، لا نحتاج فقط إلى “رادار” يضبط سرعتنا، بل نحتاج إلى “ضمير” يضبط اندفاعنا الالتزام المروري لا يجب أن يكون طقساً نؤديه خوفاً من “كاميرا” أو “شرطي”، بل يجب أن يكون عقيدة نابعة من إدراكنا بأن الطريق مسؤولية مشتركة، وأن الغضب خلف المقود هو انتحار مع وقف التنفيذ التحول المطلوب ليس في تعديل العقوبات فحسب، بل في خلق “إنسان مروري
جديد” يدرك أن هيبة الدول لا تُقاس بصرامة السجون، بل بمدى وعي المواطن الذي يحترم القانون حتى لو غابت الرقابة إن قيادتنا لمركباتنا هي المرآة التي تعكس رقيّنا، فإما أن نقود نحو السلامة، أو نظل أسرى لـ “إرهاب الطرقات” الذي لا يفرق بين طفل وآخر



