
فوضى التعددية
د. طالب محمد كريم
استاذ الفكر السياسي -الجامعة المستنصرية
تتسم الحالة السياسية العراقية الراهنة بقدر عال من التعقيد لا يمكن فهمه خارج سياق تطورها التاريخي منذ عام 2003، ولا بمعزل عن التحديات الدولية والإقليمية التي تتقاطع معها. فكل مرحلة سياسية في العراق كانت، ولا تزال، مرهونة بظروفها الموضوعية، من توازنات داخلية هشة إلى ضغوط خارجية متغيرة، الأمر الذي يجعل الحكم على التجربة بمعيار ثابت أمراً إشكالياً ما لم يُؤخذ هذا التشابك بعين الاعتبار.
غير أن الملاحظة الجوهرية في مسار النظام السياسي العراقي تكمن في وجود مستويين من الخطاب والتحليل:
الأول: خطاب تفصيلي تعقيدي، ينشغل بتفكيك الجزئيات، من تحالفات انتخابية، وصراعات نخب، وتوازنات طائفية وإثنية، وهو خطاب واسع الحضور في الإعلام والنقاش السياسي.
أما الثاني: فهو خطاب عام أعلى، يُفترض أن يراقب السيرورة السياسية بوصفها عملية بناء دولة، من خلال الاحتكام إلى مباني الدولة ومبادئ الدستور، ومعايير الأداء المؤسسي والاستقرار طويل الأمد.
المشكلة أن التجربة العراقية، حتى اللحظة، لم تنجح في الانتقال من مستوى (تفصيلات السياسة) إلى مستوى (رؤية الدولة). إذ بقيت معظم الفاعليات السياسية أسيرة إدارة اللحظة، لا صناعة المستقبل، الأمر الذي انعكس في ضعف معيار النجاح المؤسساتي، حيث تُقاس الإنجازات غالباً بمكاسب ظرفية، لا بمدى ترسيخ قواعد الحكم الرشيد أو بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.
لقد كشفت التجربة العراقية، في أحد أبعادها العميقة، عن خلل بنيوي يتمثل في غياب ما يمكن تسميته بـ(الضابطة الحزبية الأوليغارشية) بالمعنى الانتقالي، أي وجود نخب سياسية منظمة، قادرة على فرض حدٍّ أدنى من الانضباط داخل النظام السياسي، بما يمنع تفككه ويؤسس تدريجيًا لسلطة مؤسساتية مستقرة. وليس المقصود هنا تكريس احتكار السلطة، بل إيجاد مرحلة انتقالية تضبط الفوضى التعددية غير المنضبطة، تمهيداً للوصول إلى حالة أكثر نضجاً، يكون فيها الاحتكام للمؤسسات لا للأشخاص.
إن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد وجود دستور أو انتخابات دورية، بل يتطلب انتقالاً تدريجياً نحو ترسيخ الثقة بالمؤسسات، بحيث يتحول الانتماء السياسي من ولاءات فرعية إلى ولاء عام للدولة. وعند هذه النقطة تحديداً، يمكن الحديث عن “(ذوبان)المجتمع في مؤسسات الدولة، لا قسراً، بل نتيجة قناعة متراكمة بثباتها وعدالتها وكفاءتها.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم لا يكمن فقط في إدارة الأزمات، بل في إعادة توجيه البوصلة من سياسة التفاصيل إلى فلسفة الدولة، ومن منطق التوازنات المؤقتة إلى معيار النجاح المؤسسي، بما يفتح الطريق أمام تحول تدريجي من نظام سياسي هش إلى دولة مستقرة قادرة على إنتاج نفسها عبر مؤسساتها، لا عبر صراعات نخبها.

