هل الهجر الطويل يعادل الطلاق الكنسي أم مجرد انحلال مدني؟ قراءة بين تصريحات البابا ومشروع القانون

بقلم الدكتور نادر الصيرفي المحامي
في لحظة يتقاطع فيها النقاش المجتمعي مع المسار التشريعي، جاءت تصريحات البابا تواضروس الثاني لتعيد طرح سؤال قديم بصياغة جديدة: ما الذي يُبقي الزواج قائمًا في جوهره؟ وهل يكفي الشكل القانوني لاستمراره، أم أن المضمون الفعلي هو الفيصل؟
ركزت التصريحات على مفهوم محوري هو “التواجد الرضائي”، باعتباره التعبير العملي عن وحدة الزوجين، حتى في حال البعد الجغرافي أو اختلاف الظروف. فالعلاقة، وفق هذا الفهم، لا تُقاس بمجرد الإقامة المشتركة، بل بوجود إرادة متبادلة في الاستمرار، وتواصل يحفظ جوهر الارتباط. وهنا يبرز السؤال تلقائيًا: إذا غاب هذا “التواجد الرضائي” لفترة طويلة، مصحوبًا برفض متكرر لكل محاولات الصلح، فهل يبقى الزواج قائمًا بالمعنى الحقيقي؟
من الناحية الكنسية، الزواج ليس عقدًا قابلًا للفسخ بإرادة منفردة، بل سر مقدس يستند إلى التزام روحي وأخلاقي عميق. لذلك، لا يُعد الهجر الطويل طلاقًا كنسيًا بالمعنى المباشر، إذ إن إنهاء الرابطة يتطلب مسارًا كنسيًا منضبطًا. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن الانفصال الممتد—خاصة إذا استحال معه الإصلاح—يمثل كسرًا جوهريًا لأحد أركان العلاقة، وقد يُنظر إليه كدليل على انهيارها الفعلي، بما يفتح الباب لمعالجة كنسية تختلف من حالة لأخرى.
أما على المستوى المدني، فالقانون يتعامل مع الوقائع المادية والآثار الاجتماعية. الهجر، في هذا الإطار، قد يشكل سببًا من أسباب الطلاق، أو قرينة على استحالة العشرة، لكنه لا يُنتج أثره تلقائيًا دون اللجوء إلى القضاء. فالحكم القضائي يظل الأداة التي تُحوّل هذا الواقع إلى وضع قانوني مُنظم، يُحدد الحقوق والواجبات ويُنهي الرابطة من الناحية الشكلية.
هنا تتجلى الإشكالية التي يحاول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين التعامل معها: كيف يمكن التوفيق بين قدسية الرابطة الزوجية في بعدها الكنسي، وبين واقع اجتماعي قد يشهد حالات انفصال فعلي طويلة الأمد؟ وهل يُكتفى بالحفاظ على الشكل القانوني لعلاقة فقدت مضمونها، أم يُفتح المجال لاعتراف منضبط بحالات الانهيار الواقعي؟
الإجابة لا تبدو بسيطة، لكنها تكمن—على الأرجح—في التمييز بين مرحلتين: مرحلة الحفاظ على العلاقة ومحاولة ترميمها بكل الوسائل الرعوية والإنسانية، ومرحلة الاعتراف بأن الاستمرار الشكلي لم يعد يعكس حقيقة قائمة.
وفي هذا الإطار، تبدو النتيجة الحتمية أن الهجر الطويل، إذا توافرت شروطه من حيث الامتداد الزمني، ورفض الصلح، وانقطاع “التواجد الرضائي”، يتحول من مجرد واقعة اجتماعية إلى سبب معتبر للطلاق الكنسي، يُعتد به عند النظر في إنهاء الرابطة وفق الضوابط الكنسية.
ومن ثم، فإن التوصية المنطقية في ضوء هذه التصريحات هي أن يتضمن مشروع القانون نصًا صريحًا يقرّ بأن الهجر الإرادي الممتد—وفق ضوابط محددة—يُعد سببًا من أسباب الطلاق الكنسي، بما يعكس الواقع الفعلي للعلاقة، ويحقق الاتساق بين روح التعليم الكنسي وآليات التنظيم القانوني.
في هذه المساحة الدقيقة، يصبح الهجر الطويل ليس طلاقًا كنسيًا بحد ذاته، ولا مجرد وضع مدني عابر، بل حالة مركبة تستدعي قراءة متوازنة تجمع بين روح التعليم الكنسي ومتطلبات التنظيم القانوني، وصولًا إلى نتيجة مفادها أن استمرار الشكل دون المضمون لا يكفي لبقاء الزواج.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالمصطلحات بقدر ما يتعلق بحقيقة العلاقة ذاتها. فحين يغيب “التواجد الرضائي”، ويتحول الانفصال إلى واقع دائم، يصبح السؤال ليس: هل انتهى الزواج قانونيًا أو كنسيًا؟ بل: هل ما زال قائمًا في جوهره؟








