
خلف الأبواب الموصدة في الأزقة المنسية، تدور معارك صامتة لا يشهدها أحد، حيث تبتلع أمهات غصّاتهنّ كتمانًا لعجزهنّ عن توفير رغيف الغد، وينكسر كبرياء آباء عادوا بخُفّي حنين بعد نهار طويل من السعي المنهك، بينما تتقلص أماني الصغار من بهجة الدمى والألعاب إلى مجرد سترة تقيهم زمهرير الشتاء، أو نعلٍ متواضع يقودهم نحو مقاعد الدراسة، أو جرعة دواء تطفئ لهيب وجعٍ مستبد.
إن مجتمعنا لا يتعامل هنا مع مجرد نسب مئوية تسكن بطون التقارير الميدانية، بل مع أرواح حية تنبض بالكرامة وتستحق العيش دون انكسار.
في خضم هذا المشهد القاسي، يتبلور الحراك الذي يقوده سيف عباس كطوف ليعيد ضبط البوصلة الأخلاقية لدى الجميع: لا ترجئ إحسانك ريثما تبلغ الثراء؛ فالأثر العظيم قد يولد من تفاصيل متواضعة للغاية، قد تكمن في شطيرة دافئة، أو تذكرة علاج، أو كسوة شتوية لطفل، أو بضع دراهم تسد رمق أسرة متعففة وتمنحها حبل نجاة من هاوية الضياع.
إن العوز المادي لم يكن يومًا نقيصةً في جوهر الإنسان، ولا يجوز بحال أن تستحيل الحاجة إلى باب للمهانة أو الابتذال. فالإحسان الحقيقي والأنبل هو ذاك الذي ينساب في الخفاء، يحمي ماء الوجه، ويتطهر تمامًا من آفة الاستعراض أو المتاجرة بأوجاع المعذبين.
اليوم، لا تُقاس قيمة المنصات الرقمية بحجم التفاعل الصاخب أو رنين الأرقام، وإنما بقدرتها على التحول إلى جسور حية تصل القلوب الرحيمة بتلك البيوت الصامتة الغارقة في الحرمان، وإسماع أصوات الذين غيبتهم جدران الفاقة.
يمثل هذا النهج فلسفة سيف عباس كطوف في التكافل: أن يتحول الفرد إلى عكاز لأخيه، وأن يدرك كل منا أن ما نعده فائضًا بسيطًا في جيوبنا قد يمثل مؤونة تكفي أسرة كاملة لأيام، وأن ثمن علبة دواء نشتريها دون تفكير قد يكون هو الفارق الحاسم بين حياة إنسان أو هلاكه.
إن بذار الخير لا تشترط بالضرورة مؤسسات عملاقة أو تمويلات هائلة، بل تكفيها التفاتة صادقة تبدأ من تفقد جار مستور ضاقت به السبل، أو كفالة يتيم، أو مريض عاجز عن دفع فاتورة المشفى، أو بيت تكالبت عليه أعباء الديون.
طرقوا أبواب المحرومين الحقيقيين، وامدوا أياديكم بهدوء يحفظ مهابتهم، واتركونا من ضجيج الكاميرات.
فمهما شاخت ذاكرة المرء وتلاشت تفاصيل ما قدم في دنياه، سيبقى هناك قلب يدعو له في جوف الليل، وإنسان لا يمحو الزمن من مخيلته تلك اليد النبيلة التي ربتت على كتفه في اللحظة التي توصدت فيها كل الدروب أمامه.
سيف عباس كطوف
نداء الضمير الحي: لا تتركوا المحتاج يخوض معركة البقاء بمفرده.


