الإعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : كيف تسرق عادات وتقاليد ولغة وهوية وطن دون حرب؟

في زمنٍ لم تعد فيه الحروب تُقاس فقط بعدد الدبابات أو صواريخ المدى البعيد، ظهرت حروبٌ أكثر دهاءً وخطورة… حروب بلا دماء، لكنها قادرة على محو أممٍ كاملة من الذاكرة، وسرقة هويتها قطعةً قطعة، حتى تستيقظ الشعوب يوماً لتجد نفسها لا تشبه نفسها.
لم تعد السيطرة على الأرض هي الهدف الأسمى للقوى الكبرى، بل السيطرة على العقل والوجدان. فحين تفقد أمةٌ لغتها، وتتنكر لعاداتها، وتستبدل تقاليدها بثقافاتٍ دخيلة، تكون قد خسرت المعركة دون أن تطلق رصاصة واحدة.
تبدأ السرقة ناعمة… عبر الإعلام. شاشاتٌ تبث أنماط حياة غريبة، وتُعيد تشكيل الذوق العام، حتى يصبح الغريب مألوفاً، والمألوف محل سخرية. ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتُسرّع العملية، حيث يتحول التقليد إلى موضة، والانبهار بالآخر إلى معيار للتقدم.
ثم يأتي التعليم… حين تُهمّش اللغة الأم، وتُقدّم اللغات الأجنبية على أنها بوابة النجاح الوحيدة، يبدأ الجيل الجديد في الانفصال عن جذوره. ومع مرور الوقت، تتحول اللغة إلى مجرد أداة ثانوية، لا تحمل روح الأمة ولا تاريخها.
ولا تقف العملية عند هذا الحد… بل تمتد إلى الفن والدراما والموسيقى، حيث يتم تقديم نماذج جديدة للحياة، تُقنع المشاهد أن هويته القديمة “متخلفة”، وأن الانسلاخ منها هو الطريق الوحيد للحداثة. وهنا تقع الكارثة: حين يتخلى الإنسان طوعاً عن نفسه.
الاقتصاد أيضاً يلعب دوراً خفياً… حين تُغرق الأسواق بمنتجات تحمل ثقافاتٍ مغايرة، وتُصبح العلامات الأجنبية رمزاً للرقي، بينما يُنظر إلى المنتج المحلي بازدراء. في هذه اللحظة، لا يتم فقط إضعاف الاقتصاد، بل يتم كسر الانتماء.
الأخطر من ذلك كله… هو تغييب الوعي. حين لا تدرك الشعوب أنها مستهدفة، ولا ترى في ما يحدث تهديداً، تتحول إلى شريكٍ في الجريمة ضد نفسها. وهنا تتحقق أخطر صور الاحتلال: احتلال بلا جيوش.
لكن، هل من مقاومة؟
نعم… تبدأ بالوعي. بإعادة الاعتزاز باللغة، وإحياء العادات الأصيلة، ودعم الإنتاج الثقافي المحلي. تبدأ من الأسرة، حين تُربّي أبناءها على الانتماء، ومن المدرسة، حين تُعلّم التاريخ لا كمادة دراسية، بل كهوية حية.
إن الهوية لا تُسرق فجأة… بل تُسلب تدريجياً. وما يُسلب يمكن استعادته، إذا أدركنا حجم الخطر، وتمسكنا بما نحن عليه.
فالوطن ليس مجرد أرض… بل ذاكرة، ولسان، وروح.
وإن ضاعت هذه الثلاثة… ضاع الوطن، حتى وإن بقيت حدوده على الخريطة



