الإعلامى الدكتور مجدي كامل الهواري يكتب : ازدواجية القوة: كيف تطالب واشنطن بنزع سلاح إيران النووي وتغض الطرف عن ترسانة إسرائيل؟

في عالمٍ يُفترض أنه تحكمه القوانين الدولية والمواثيق الأممية، تبرز مفارقة صارخة تُجسد واحدة من أعقد صور ازدواجية المعايير في السياسة الدولية. فبينما ترفع واشنطن راية الحزم والصرامة في مواجهة البرنامج النووي الإيراني، مطالبةً بنزع سلاحه وفرض القيود عليه بكل السبل الممكنة، نجدها في المقابل تلوذ بالصمت، بل وتوفر الغطاء السياسي، أمام ترسانة نووية إسرائيلية يُعتقد أنها واحدة من أخطر عوامل عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
إن هذا التناقض لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة النظام الدولي القائم على موازين القوة، حيث تُقاس الشرعية لا بالحق، بل بالنفوذ والتحالفات. فإيران، الدولة التي تخوض صراعًا مفتوحًا مع الغرب، تُوضع تحت المجهر، وتُفرض عليها العقوبات، وتُهدد بشكل مستمر، بحجة منع انتشار السلاح النووي. بينما إسرائيل، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، تظل خارج دائرة المساءلة، رغم عدم توقيعها على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وامتلاكها قدرات نووية غير معلنة.
هذه الازدواجية تطرح تساؤلات مشروعة: هل الهدف الحقيقي هو منع الانتشار النووي، أم إعادة تشكيل ميزان القوى بما يخدم مصالح بعينها؟ وكيف يمكن إقناع شعوب المنطقة بعدالة النظام الدولي، بينما تُطبق القواعد بانتقائية واضحة؟
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط مصداقية القوى الكبرى، بل يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي، قد يدفع دولًا أخرى إلى السعي لامتلاك نفس أدوات الردع، في ظل غياب الضمانات الحقيقية للأمن الجماعي. فالخطر لا يكمن فقط في امتلاك السلاح، بل في الشعور بعدم العدالة، الذي قد يكون المحرك الأخطر نحو التصعيد.
وفي ظل هذه المعادلة المختلة، يبقى الشرق الأوسط رهينة توازنات هشة، تُدار من خارج حدوده، وتُفرض عليه معادلات لا تعكس تطلعات شعوبه في الأمن والاستقرار. وبينما تتصاعد الدعوات لنزع السلاح النووي، فإن العدالة تظل الشرط الأول لأي حديث جاد عن السلام.
ويبقى السؤال معلقًا: هل يمكن للعالم أن يحقق أمنًا حقيقيًا دون معايير واحدة تُطبق على الجميع؟ أم أن منطق القوة سيظل هو الحاكم، مهما تبدلت الشعارات ..



