حين يؤجَّل الحلم وتُسرق الحياة في صمت بقلم: أمير عادل عيد
عن تلك المسافة الخفية بين ما نريده حقًا وما نؤجله كل يوم أمير عادل

في زحمة الحياة وسرعة الأيام، بقينا دايمًا ندور على أسباب كبيرة تفسّر ليه إحنا لسه واقفين مكاننا. بنلوم الظروف، بنلوم الفرص، بنلوم الحظ وننسى نبص للحقيقة البسيطة اللي غالبًا بتكون قدامنا طول الوقت: إحنا ما بدأناش.
مش لأننا مش قادرين لكن لأننا كنا دايمًا بنأجل.
التسويف مش كلمة بسيطة ولا عادة عابرة، هو نمط حياة بيتسلل بهدوء لحد ما يسيطر على قراراتك كلها. فكرة إنك تقول “بكرة” بتديك راحة مؤقتة، إحساس زائف إنك لسه ماسك زمام الأمور، لكن الحقيقة إن كل “بكرة” بتسرق منك فرصة، وكل تأجيل بيزود المسافة بينك وبين الشخص اللي نفسك تكونه.
يمكن تكون قاعد دلوقتي وبتفكر: “أنا فعلًا كان ممكن أبقى في حتة تانية خالص.” وده مش جلد ذات على قد ما هو وعي متأخر شوية. لأن مفيش حد بيتأخر فجأة، التأخير بيحصل بهدوء جدًا، في قرارات صغيرة تكاد ما تتشافش: إنك تختار الراحة بدل المحاولة، إنك تهرب من خطوة بسيطة، إنك تقنع نفسك إن لسه فيه وقت.
والمشكلة إن الوقت فعلًا بيعدي بس من غير ما يستأذن.
الساعات اللي بتضيع في التمرير على الموبايل، الأيام اللي بتتسحب في “هبدأ بكرة”، الشهور اللي بتعدي وإنت لسه في نفس النقطة كلها مش لحظات عابرة، دي أجزاء من عمرك بتتسحب منك وإنت ساكت. والغريب إنك بتكون حاسس بده، لكن بتختار تتجاهله لأن المواجهة تقيلة.
اللي محدش بيقولهولك بوضوح إن التسويف مش كسل زي ما الناس بتحب تختصره، هو غالبًا خوف لابس شكل راحة. خوف من إنك تجرب ومتنجحش، خوف من إنك تبذل مجهود ومتحصلش على النتيجة اللي مستنيها، وأحيانًا خوف من إنك تنجح فعلًا فتضطر تعيش حياة مختلفة أنت مش متعود عليها.
وفيه نوع تاني أخطر شوية، الناس اللي مستنية كل حاجة تبقى مثالية. مستني وقت فاضي، مزاج رايق، خطة متقفلة، بداية “صح”. وتمر الأيام، وتفضل البداية معلقة، لأن الحقيقة البسيطة إن الكمال ده وهم، ولو استنيته عمرك ما هتتحرك.
الحكاية مش محتاجة تكون بطولية عشان تبقى حقيقية. شاب عادي جدًا، لا عنده إمكانيات خارقة ولا ظروف مثالية، فضل سنة كاملة بيأجل خطوة كان ممكن تغيّر مسار حياته. كل مرة كان يقنع نفسه إن الأسبوع الجاي أنسب، إن الشهر الجديد بداية أفضل، إن لما يفضى هيبدأ. السنة عدت، وهو زي ما هو، يمكن أسوأ شوية لأنه بقى شايل إحساس التقصير.
لحد يوم عادي جدًا، مفيهوش أي حاجة مميزة، قرر يعمل حاجة بسيطة قوي. مش خطة كبيرة، ولا مجهود جبار، مجرد بداية صغيرة جدًا، لدرجة إنها ما تخوفش. يمكن عشر دقايق بس، لكن الفرق إن العشر دقايق دول كانوا أول مرة يتعملوا فعلًا بدل ما يفضلوا فكرة في دماغه.
الإحساس وقتها ما كانش حماس جارف ولا طاقة غير محدودة، بالعكس، كان فيه مقاومة، وكان فيه شك، لكن كان فيه حاجة أهم… كان فيه فعل. ومن اللحظة دي، بدأت العلاقة بينه وبين نفسه تتغير. بقى أوفى لكلامه، حتى لو بشكل بسيط، بقى بيعمل بدل ما يقول.
ومع الوقت، الحاجة الصغيرة كبرت، مش بشكل مفاجئ، لكن بهدوء. خطوة بتجيب خطوة، ويوم بيشد يوم، لحد ما بقى شخص تاني خالص، مش لأنه اتحول لبطل خارق، لكن لأنه بطل يصدق فكرة إن بكرة هيحل كل حاجة.
المشكلة إننا بنستهين بالبدايات الصغيرة، بنشوفها مش كفاية، بنحس إنها مش هتفرق، فبنسيبها. لكن الحقيقة إن كل حاجة كبيرة كانت في يوم ما حاجة صغيرة جدًا حد قرر ما يستهونش بيها.
فيه لحظة كده بتعدي على كل واحد فينا، لحظة صامتة محدش بياخد باله منها، بيبقى عنده اختيار بسيط جدًا: يا إما يعمل الحاجة اللي عارف إنها هتفرّق، يا إما يأجلها شوية كمان. اللحظة دي بتتكرر كل يوم تقريبًا، لكن تأثيرها مش بيبان غير بعد وقت طويل، لما تلاقي نفسك يا إما اتحركت، يا إما فضلت مكانك.
والغريب إن مفيش صوت عالي بيحذرك، مفيش جرس إنذار، الحياة بتمشي عادي جدًا، بس الفرق بيتراكم في الهدوء. ناس بتقرب، وناس بتبعد، وناس لسه واقفة مستنية تحس إنها جاهزة.
ولو هنبص بصدق شوية، هنلاقي إن فكرة “أنا مش جاهز” كانت دايمًا مريحة أكتر من فكرة “أنا لازم أبدأ حتى وأنا مش جاهز”. الأولى بتديك مبرر، التانية بتطلب منك شجاعة.
الشجاعة هنا مش إنك ما تخافش، لكن إنك تتحرك رغم الخوف. إنك تقبل إنك ممكن تغلط، إنك ممكن تتعب، إنك ممكن تاخد وقت أطول من غيرك، بس في المقابل تدي لنفسك فرصة حقيقية.
لأن اللي بيحصل غالبًا إنك بتفضل تأجل لحد ما الإحساس نفسه يتغير. الحاجة اللي كانت حلم بتبقى تقيلة، وبعدين بتبقى عبء، وبعدين بتبقى ذكرى لفكرة ما اتعملتش. ودي من أصعب الحاجات، إنك تبص لحاجة كنت قادر تعملها في وقت من الأوقات… وتعرف إنك سبتها تضيع بإيدك.
وفي وسط كل ده، الحياة مش بتقف. الناس حواليك بتكمل، الفرص بتتخلق وتروح، وأنت لسه بتقول “لسه بدري” أو “لسه في وقت”. لحد ما فجأة تكتشف إن الوقت اللي كنت فاكره طويل… كان محدود أكتر مما توقعت.
يمكن الفكرة كلها مش في إنك تعمل إنجاز ضخم، ولا إنك تغيّر حياتك في يوم وليلة، الفكرة في اللحظة الصغيرة اللي بتقرر فيها تبقى صادق مع نفسك، تبطل تدي أعذار، وتعمل الحاجة اللي عارف جواك إنها مهمة، حتى لو بشكل بسيط، حتى لو بهدوء، حتى لو من غير ما حد يلاحظ.
لأن في الآخر، محدش هيشوف الصراع الداخلي غيرك، ومحدش هيحسب عدد المرات اللي قاومت فيها فكرة التأجيل غيرك، ومحدش هيعرف قد إيه البداية كانت صعبة… غيرك.
بس الفرق كله هيبان بعد كده، لما تبص لنفسك وتلاقي إنك أخيرًا مش واقف مكانك… مش مستني… مش بتأجل… لكن ماشي، حتى لو ببطء، حتى لو بخطوات صغيرة، بس ماشي.




