حين يصبح المكياج مساحة لإعادة بناء الروح
بقلم/ميرنا حسن

المكياج ليس طبقة ألوان تُمرَّر على الوجه ولا لمسة تجميل تخفي عيباً المكياج أعمق بكثير من كل ما يبدو على السطح إنه المساحة الصغيرة التي تستعيد فيها المرأة جزءاً من قوتها المساحة التي تلمس فيها ملامحها بوعي جديد كأنها تقول لنفسها أنا هنا ما زلت أستطيع أن أبدأ من جديد
من قال إن المكياج مجرد تحسين للشكل؟
المكياج في جوهره نوع من المصالحة بين المرأة ونفسها مساحة تضع فيها يدها على ملامحها فتكتشف كم تغيرت وكم صمدت وكم تحتاج إلى شيء يذكّرها بأنها ما زالت جميلة رغم كل ما مر بها
هناك لحظات لا تضع فيها المرأة المكياج لتُرى بل لتتذكر نفسها لتعيد ترتيب فوضتها الداخلية لتمنح قلبها فرصة أن يهدأ ولتقول لروحها إن التفاصيل الصغيرة قادرة على إنقاذ يوم كامل
البشرة التي ترهقها الأيام تستعيد هدوءها مع لمسة خفيفة وكأن اللون ليس مجرد لون بل رسالة تقول لقد عشت كثيراً وما زلت أستحق أن أضيء حتى لو كان الضوء بسيطاً الشفاه التي تجف من التعب تعود للحياة مع لون يذكّرها بأن الابتسامة لا تزال ممكنة والعينان اللتان شهدتا ما لا يُقال تحتاجان لخط رفيع يشعرهما بأنهما ما زالتا قادرتين على رؤية الجمال
المكياج ليس محاولة لتغيير الملامح بل محاولة لفهمها أحياناً نكتشف أننا لم ننظر إلى أنفسنا بعمق منذ فترة طويلة نمر على المرايا مروراً عابراً بلا اهتمام ثم نفاجأ بأن ضغطة فرشاة واحدة تكشف لنا أننا كنا نحتاج إلى هذه اللحظة أكثر مما ظننا
وهناك نساء يضعن المكياج ليجدن في انعكاسهن شكلاً أقرب لشجاعتهن
نساء يعرفن أن العالم قاس وأن الأيام لا تجامِل ومع ذلك يختارن أن يزين وجوههن كأنهن يعلنّ أنهن لن يسمحْن للتعب أن يبتلع ملامحهن
وفي كل مرة تختار فيها المرأة لوناً جديداً فذلك ليس اختياراً جمالياً فقط بل اختيار لحالة مزاجية جديدة حالة تريد من خلالها أن تغيّر ما يمكن تغييره حتى لو كان ذلك في حدود وجه صغير
المكياج أيضاً ذاكرة
كم من لون أحمر ارتبط بذكرى مهمة
كم من عطر شعر ارتبط بمناسبة
كم من ظلال عيون ذكرت امرأة بأيام كانت فيها أقرب لنفسها
المرأة لا تضع المكياج فقط بل تحفظ معه لحظات وتجارب وانتصارات صغيرة لم يَرَها أحد
والأجمل أن المكياج يربّي لدى المرأة عادة الاهتمام بنفسها حتى في أصعب الأيام فهناك نساء لم ينسق لهن القدر وقتاً للراحة لكنهن ما زلن يمررن الفرشاة فوق وجوههن كأنهن يضعن لمسة حنان لا يملك أحد أن يمنحها لهن
وفي كل خطوة تضع فيها المرأة مكياجها هناك درس صغير
أن الجمال ليس مثالياً
أن التعب ليس عيباً
أن الوجه الذي مر بالكثير يستحق الاحترام
وأن اللون الذي تختاره ليس لتخفي به شيئاً بل لتحتفل بما بقي
وفي النهاية يبقى المكياج مساحة شخصية جداً مساحة تسترجع فيها المرأة صوتها بعيداً عن ضوضاء الحياة مساحة تقول فيها لنفسها إن التغيير ممكن وإن الاهتمام بالنفس ليس رفاهية بل ضرورة وإن إعادة بناء الروح أحياناً تبدأ من نقطة ضوء صغيرة عند زاوية العين أو من لون يوقظ الشفاه
المكياج ليس زخرفة
وليس واجباً
وليس محاولة لفت انتباه أحد
المكياج هو اللحظة التي تلمس فيها المرأة وجهها فتشعر أنها قادرة على حمل يومها بثقة أكبر
هو المساحة التي تعيد فيها المرأة بناء نفسها… لوناً بعد لون
حتى تعود روحها كما تحب أن تراها: واضحة قوية ومضيئة مهما اشتدت الأيام
حين يصبح المكياج مساحة لإعادة بناء الروح
بقلم/ميرنا حسن








