المستشار محمد عبد الجواد يكتب: حوكمة الداخل المؤسسي: ضبط الإدارة التنفيذية ومنع تغوّل الصلاحيات داخل الشركات المغلقة

المستشار محمد عبد الجواد يكتب:
حوكمة الداخل المؤسسي: ضبط الإدارة التنفيذية ومنع تغوّل الصلاحيات داخل الشركات المغلقة.
=====
في الشركات التي يتداخل فيها هيكل الملكية مع مجلس الإدارة، تتغير زاوية النظر إلى الحوكمة. فالتحدي لم يعد في حماية المساهمين من مجلس الإدارة، بقدر ما يصبح في ضبط الأداء التنفيذي اليومي، ومنع انحراف السلطة داخل المستويات الإدارية المختلفة، خاصة لدى المديرين والموظفين الذين يباشرون القرار والتنفيذ الفعلي.
هنا تبرز أهمية “حوكمة الداخل المؤسسي” باعتبارها الإطار الذي يُعيد الانضباط إلى مفاصل الإدارة التنفيذية، ويمنع تحول السلطة الوظيفية إلى سلطة منفلتة.
أولًا: وضوح الهيكل التنظيمي كخط الدفاع الأول
أي خلل في الهيكل التنظيمي هو دعوة مفتوحة للفوضى. فالشركة التي لا تُحدد بوضوح خطوط السلطة والتبعية، تخلق بيئة خصبة للازدواجية في القرار، أو التهرب من المسؤولية.
الهيكل التنظيمي يجب ألا يكون مجرد رسم شكلي، بل وثيقة حاكمة تُحدد بدقة:
من يملك القرار
من ينفذه
من يراجعه
ومن يُحاسب عليه
وكلما كان الهيكل واضحًا، تضاءلت فرص التلاعب أو تمرير قرارات دون رقابة.
ثانيًا: التوصيف الوظيفي كأداة ضبط لا كإجراء إداري
التوصيف الوظيفي في كثير من الشركات يُعامل كإجراء روتيني، بينما هو في الحقيقة أداة قانونية وإدارية حاسمة.
التوصيف الجيد لا يقتصر على المهام، بل يشمل:
حدود الصلاحيات المالية والإدارية
نطاق المسؤولية
علاقات التنسيق مع الإدارات الأخرى
مؤشرات الأداء والمساءلة
وعند غياب هذا التوصيف، يصبح من السهل على أي مدير أن يتمدد خارج اختصاصه، أو يتنصل من مسؤولياته عند وقوع الخطأ.
ثالثًا: الفصل بين الوظائف الحساسة ومنع تضارب المصالح
من أخطر مظاهر الانحراف الإداري هو تركيز سلطات متعارضة في يد جهة واحدة، خاصة في الإدارات الحيوية مثل المبيعات والمشتريات.
فلا يجوز عمليًا أن تتمتع هذه الإدارات باستقلال مطلق، لأنها بطبيعتها أكثر عرضة لتضارب المصالح والتلاعب.
الأصل في الحوكمة الرشيدة أن:
تخضع المبيعات لرقابة مالية وقانونية لاحقة ومسبقة
تُقيد المشتريات بإجراءات اعتماد متعددة المستويات
يُمنع الجمع بين طلب الشراء واعتماده وتنفيذه واستلامه في يد واحدة
استقلال هذه الإدارات دون رقابة فعالة لا يعني كفاءة… بل يفتح الباب لانحرافات قد لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.
رابعًا: الرقابة متعددة الطبقات بدلًا من الرقابة الشكلية
الرقابة الفعالة لا تعتمد على جهة واحدة، بل على تداخل مستويات رقابية مختلفة، تشمل:
الرقابة الإدارية (من خلال الرؤساء المباشرين)
الرقابة المالية (من خلال الإدارة المالية)
الرقابة القانونية (من خلال الإدارة القانونية)
الرقابة المستقلة (من خلال لجنة المراجعة)
هذا التعدد لا يُعطل العمل كما يُشاع، بل يمنع الانفراد بالقرار، ويجعل تمرير أي مخالفة أمرًا معقدًا وصعبًا.
خامسًا: لجنة المراجعة كعين فاحصة لا ككيان صوري
لجنة المراجعة ليست مجرد لجنة تعتمد القوائم المالية، بل يجب أن تكون جهة فاعلة تمارس دورًا رقابيًا حقيقيًا، يشمل:
مراجعة كفاءة نظم الرقابة الداخلية
فحص العمليات ذات المخاطر العالية (خاصة المشتريات والتعاقدات)
متابعة تقارير التدقيق الداخلي
التحقيق في أي شبهات انحراف أو تضارب مصالح
قيمة اللجنة لا تُقاس بعدد اجتماعاتها، بل بقدرتها على كشف ما لا يظهر في التقارير التقليدية.
سادسًا: الإدارة القانونية… من دور تقليدي إلى شريك حوكمة
الإدارة القانونية في كثير من الشركات تُختزل في تحرير العقود أو متابعة القضايا، بينما دورها الحقيقي في منظومة الحوكمة أعمق بكثير.
الإدارة القانونية يجب أن تكون:
رقيبًا على مشروعية القرارات الإدارية قبل صدورها
شريكًا في تصميم الإجراءات والسياسات الداخلية
جهة مراجعة للعقود والارتباطات بما يمنع إدخال التزامات ضارة
خط دفاع ضد الانحرافات التي قد تحمل شبهة جنائية أو مسؤولية قانونية
كما أن تدخلها المبكر في دورة القرار، خاصة في التعاقدات والمشتريات، يقلل بشكل كبير من المخاطر القانونية والمالية.
سابعًا: ربط السلطة بالتوثيق لا بالأشخاص
من أخطر الأخطاء الإدارية ربط السلطة بالأشخاص لا بالأنظمة.
الحوكمة الحقيقية تعني أن:
كل قرار موثق
كل إجراء قابل للمراجعة
كل موافقة لها سند واضح
وبذلك، لا يصبح النفوذ الشخصي طريقًا لتجاوز القواعد، بل تبقى المؤسسة محكومة بمنظومة لا بأفراد.
ثامنًا: ثقافة “المساءلة الوقائية” بدلًا من العقاب اللاحق
الهدف من الحوكمة ليس اصطياد الأخطاء بعد وقوعها، بل منع حدوثها من الأساس.
وذلك لا يتحقق إلا من خلال:
وضوح القواعد
سهولة الرجوع إليها
علم الجميع بأن كل تصرف قابل للفحص
حينها، تتحول الحوكمة من أداة ردع إلى نظام يمنع الانحراف قبل أن يبدأ.
وختامًا
في الشركات التي تتقاطع فيها الملكية مع الإدارة العليا، تظل المعركة الحقيقية داخل الإدارة التنفيذية. هناك، حيث تُتخذ القرارات اليومية، وتُبرم التعاقدات، وتتحرك الأموال.
ومن ثم، فإن إحكام الهيكل التنظيمي، وتقييد الصلاحيات، وتفعيل الرقابة متعددة المستويات، وإعطاء الإدارة القانونية دورها الكامل… ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة لحماية الكيان ذاته.
وبعبارة عملية:
المشكلة ليست في وجود سلطة… بل في غياب النظام الذي يحدد كيف تُمارس.
بقلم/ المستشار محمد عبد الجواد المحامي بالنقض،،
خبير ادارة المخاطر القانونية والحوكمة والامتثال للشركات الصناعية والتجارية







