منوعات

أنا وسناء منصور وماسبيرو بقلم حسن عيسى

أنا وسناء منصور وماسبيرو
بقلم حسن عيسى
هناك أصوات تتسلل إلى داخلك، تصاحبك وتؤنس وحدتك وتظل تسمعها حتى في لحظات الصمت؛ وصوت سناء منصور كان من هذا النوع. لم يكن مجرد أداءٍ خلف الميكروفون، بل حضورًا يضيء الصباحات عبر إذاعة الشرق الأوسط؛ خفة طفولية حين تضحك، ووقار دولة حين تعلن، ودفء بيوت حين تدعو شخصيات عامة إلى فطار رمضاني على الهواء، كأن الميكروفون مائدة أخرى تمتد خارج الجدران، يتنقل بين الراديو والتلفزيون، وبين المحلية والعربية، دون أن يفقد بصمته.
كنت طفلًا صغيرًا في زمن كان فيه الراديو أحد أفراد العائلة، ننتظره كنافذة تفتح على العالم، يتكلم ونسمعه كطقس يومي. كنت أسمعها تقول “فانتاستيك” و”أبجد هوز” بطريقة مختلفة عن أي شيء في الإذاعة المصرية؛ كلمة عادية لكنها تخرج بإحساس يجعلها بداية مبهجة ليوم كامل، فكنت أرسم لها ملامح في خيالي الصغير.
ثم أصبح اسمها يتردد أكثر في منزلنا؛ ففي وقت حرب أكتوبر 73، كان أبي وأصدقاؤه يلتفون حول الراديو، يحركون المؤشر بين المحطات حتى يستقر على صوتها من إذاعة مونت كارلو العربية، التي كانت وقتها من أهم مصادر الخبر. بين نشرات الأخبار وأغاني “زهرة المدائن” و”المسيح”، تغيّر الصوت الذي أعرفه؛ لم يعد مجرد بهجة صباحية، بل صار ناقلًا للخبر والرجاء والخوف معًا، حاملًا ثقل اللحظة، قادرًا على نقل الحرب دون أن يفقد إنسانيته. ومن هنا بدأت محاولاتي الأولى لكي أصبح مذيعًا مثلها، فأمسك بجهاز كاسيت صغير، وأضغط زري التسجيل لأبدأ بث عالمي الخاص؛ أسجل لقاءات مع أصدقائي، وأحاول تقليد “مدّ الحروف” ولذة نطقها للكلمات، كأنني أتعلم كيف يُبنى الصوت من الداخل لا من الخارج.
كنت دائمًا أرسم ملامحها في خيالي على حسب ما تقدمه في الإذاعة، فتتغير داخلي وتختلط على حسب تنوع برامجها، إلى أن جاء اليوم الذي أعلن فيه التلفزيون عن تقديمها لبرنامج “تحقيق”. أخيرًا رأيتها، وكانت ملامحها أقوى من أي خيال رسمته؛ تأخذ الكاميرا وتغوص في عمق المجتمع، تفتح ملفات وتثير قضايا، وتتحرك بها بين الشوارع والحارات. وحين انتقدت ارتفاع أسعار اللحوم، لم يكن ذلك مجرد طرح إعلامي عابر، بل وصل صداه إلى الرئيس أنور السادات، الذي أصدر قرارًا بوقف ذبح المواشي لفترة في محاولة لضبط السوق؛ وهنا يتضح الفرق بين إعلام للتسلية، وإعلام يتبنى قضايا مجتمعه ويؤثر فيه.
ثم عادت مرة أخرى للشاشة لكن من زاوية مختلفة تمامًا عبر برنامج “أوسكار” على القناة الثانية؛ نافذة على السينما العالمية. لم يكن انبهاري فقط بالأفلام، بل بطريقة تقديمها، فكنت أقلدها مع أصدقائي وهي تقول “الأوووسكار” و”فيييلم” بلكنتها الفرنسية المميزة. حتى إكسسواراتها الضخمة وتسريحة شعرها الثابتة كانت جزءًا من حضورها، امتدادًا لصوتها لا منفصلة عنه.
وعندما تولت مسؤولية الفضائية المصرية، كأول قناة في ماسبيرو تبث 24 ساعة، لم أعد أسمع الصوت فقط، بل بدأت أرى أثره؛ ظهر إيقاع إعلامي جديد أسرع وأقرب للناس، وساهمت في فتح مساحة لجيل إعلامي مختلف. هناك رأيت كيف يمكن تدبير مساحة كاملة دون ضجيج، كيف تُوزع الأدوار، وكيف يمكن للحضور أن يكون تنظيمًا خفيًا لا يُرى لكنه يُشعر به الجميع.
ومرت الأيام والسنوات، ودخلتُ عالم ماسبيرو وأصبحت مخرجًا في قطاع الإنتاج. كنت أراها أحيانًا من بعيد ولم أقترب؛ ليس رهبة، بل لأن بعض الأشياء تكتمل من مسافة، والصوت الذي عاش معك طويلًا، لا تحتاج أن تختبره عن قرب.
لكن الحياة لا تحب المسافات الدائمة، فجمعتنا الصدفة منذ أسابيع، وكان اللقاء أبسط مما توقعت وأجمل مما تمنيت. وجدت فيها ذلك التوازن بين البهجة والوقار، وقوة بلا استعراض، وكأن الدائرة اكتملت بين الطفل الذي كان يقلد صوتها خلف الكاسيت، والمخرج الذي يرى في ملامحها تاريخًا من الريادة. مدرسة علمتنا أن الكلمة ليست ترفًا، وأن الوقار لا يعني الجمود، وأن تكون حاضرًا بلا ضجيج، قريبًا بلا إسفاف، وحازمًا بلا قسوة.
لم تكن سناء منصور وأبناء جيلها مجرد أسماءٍ عابرة، بل كانوا “المدرسة” التي علمتنا أن الريادة لا تُمنح، بل تصنع بالصوت الواثق والصورة المنضبطة. نحن ننتمي إلى ذاكرة وطنٍ عظيم، صِيغت ملامحه خلف تلك الميكروفونات، وأمام تلك الكاميرات؛ وكانوا هم الجذور التي جعلت لـ “ماسبيرو” هيبةً لا ينال منها الغياب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *