( جلال لم يكن حلاقا، بل فيلسوفا فقيرا، يحول الحديد إلى اداة حياة، ويحول دهشتي إلى وعي..) بقلم/ احمد عبد المهيمن حسن

في طفولتي لم أتعلم الحكمة من الكتب، بل من جلال حلاق القرية الذي كان يصهر المناجل كما تُصهر الأسئلة في العقل.
لقد كان جلال يختار العزلة كما يختار الحكيم صمته، لا ازدراءً للناس، بل توقًا إلى صفاء لا يُنال في الضجيج.
صيفًا وشتاءً، ظلّ دكانه مقامه الوحيد، يعمل كأن العمل صلاة، وحين يضيق صدره بالسكون، يخرج مع الفجر، يحمل فأسه ويأخذ من شجرة الحراز ما يسدّ ظلّ يومه، ثم يعود مسرعًا إلى عزلته، ليصهر القسوة في يديه بحكمة، ويحوّل الجذع اليابس إلى طنابير ومقابض مناجل.
كان يؤمن في صمته العميق،
أن الإنسان لا يُقاس بكثرة الوجوه التي يلقاها، بل بما تصنعه يداه حين تختلي بذاتها، وبالأثر الخفيّ الذي يظلّ حيًّا
في كفوف الآخرين بعد أن يغيب.
كان دكانه محراباً صغيراً، يعزف للطيور، ويطعمها، ثم يُشعل النار ليُليّن الحديد القاسي.
رأيت في يديه درساً مبكراً:
أن ما لا ينحني بالنار، لا يصلح للحصاد.
كنت أسأله عن الشجرة، عن الجذر، عن الصوت، وهو يجيبني بصبر رجلٍ يعرف أن المعرفة لا تُقصّ بالمقص، بل تُطرق كما يُطرق الحديد، ضربة بعد ضربة، حتى تتشكل الحقيقة.
حين كان يصهر المناجل، كنت أراه يصهر جهلي أيضاً.
وحين تتوهج النار، كنت أفهم دون شرحٍ طويل أن الألم مرحلة، وأن النضج لا يأتي بلا احتراق.
كبرت، واكتشفت أن جلال لم يكن حلاقاً، بل فيلسوفاً فقيراً،
يحوّل الحديد إلى أداة حياة،
ويحوّل دهشتي إلى وعي.
#وَيَبْقَى_الْأثَرْ
#قبل_أن_يفهم_الدنيا
#أحمد_عبدالمهيمن
https://www.facebook.com/share/1aecpzL9y7/