في قلب النيل ومنسية خلف مياهه.. “جزيرة الفوال” بالبحيرة: 70 مواطنًا يقاومون العزلة وأمواج الهجرة الجماعية

في الوقت الذي تتسارع فيه خطى التنمية في مختلف ربوع المحافظات المصرية، تقف “جزيرة الفوال” التابعة لمركز المحمودية بمحافظة البحيرة شاهدةً على قصة كفاح صامتة؛ قصة أبطالها 70 مواطنًا فقط، قرروا التمسك بأرضهم وجذورهم وسط مياه النيل، متحدين قسوة العزلة وغياب أبسط مقومات الحياة الآدمية.
شريط أخضر يمتد وسط فرع رشيد، تراجع مساحته عبر العقود من 120 فدانًا إلى نحو 85 فدانًا بفعل عوامل النحر والفيضانات المتكررة، لكن التآكل الأكبر لم يكن في الأرض وحده، بل كان في ديموغرافية الجزيرة وبنيتها البشرية.
رحيل المئات وصمود العشرات
شهدت جزيرة الفوال على مدار السنوات الماضية موجات هجرة جماعية واسعة؛ حيث حزم مئات السكان من العائلات أمتعتهم وهجروا بيوتهم مجبرين، بحثًا عن حياة أفضل وتوفر للخدمات التعليمية والصحية في المدن والقرى المجاورة، بعد أن تحولت الجزيرة إلى شبه بقعة معزولة عن التطور.
وفي تصريحات خاصة لـ “بوابة البلد العربي”، أكد الأهالي الباقون في الجزيرة — والذين لا يتجاوز عددهم اليوم 70 مواطنًا يتوزعون على بضع عشرات من البيوت المتبقية — أنهم يرفضون تمامًا مغادرة أراضيهم ومنازلهم رغم كل هذه التحديات. يقول أحد كبار الصيادين والمزارعين في الجزيرة:
“هذه الأرض هي عرضنا وتاريخنا، نعم هجرها المئات لعدم وجود مدارس أو مستشفيات، لكننا اخترنا الصمود، ونأمل أن تلتفت إلينا أعين المسؤولين”.
معاناة يومية تختصرها “الجراكن” وقوارب الموت
تتلخص تفاصيل الحياة اليومية في “الفوال” في كلمة واحدة: الشقاء. فالجزيرة تخلو تمامًا من شبكات مياه الشرب النظيفة أو الصرف الصحي. وفي مشهد يتكرر كل صباح، يضطر الأهالي إلى خوض رحلة نهرية شاقة لقطع مجرى النيل بواسطة قوارب متهالكة وصولاً إلى بر المحمودية، محملين بـ “جراكن” فارغة لملئها بالماء العذب والعودة بها.
ولا يتوقف الأمر عند المياه، فالغاز الطبيعي غائب تمامًا، والبديل هو رحلة أخرى لجلب أسطوانات البوتاجاز من البر الآخر، وهو ما يفرض عبئًا ماديًا وجسديًا ثقيلاً على كاهل الأسر المتبقية.
غياب تام للمرافق الحيوية
الوصول إلى الدواء أو الغذاء في الجزيرة يعد مهمة طارئة؛ فلا وجود لصيدلية، ولا وحدة صحية، ولا حتى محل بقالة يوفر الحد الأدنى من السلع الأساسية. ويعلق الأهالي لـ “بوابة البلد العربي” بنبرة يملؤها الأسى:
“لو أن طفلًا أصيب بوعكة صحية مفاجئة أو مجرد صداع بسيط في منتصف الليل، نعيش حالة من الرعب؛ إذ يتطلب الأمر تأمين قارب في الظلام الدامس لقطع النهر نحو مستشفى المحمودية، وهو أمر يهدد أرواحنا في كل لحظة”.
استغاثة مشروعة
تبقى “جزيرة الفوال” بنخيلها وأرضها الخصبة بقعة غالية من أرض مصر، ويبقى الـ 70 مواطنًا الصامدون فيها بحاجة إلى نظرة حانية من الأجهزة التنفيذية بمحافظة البحيرة. إن توفير محطة مياه مدمجة، أو مد خطوط الخدمات الأساسية، أو حتى توفير معدية نهرية آمنة ومجهزة، كفيلٌ بإعادة الروح إلى هذه الجزيرة، وربما تشجيع من هجروها على العودة لتعميرها من جديد.








