كانت سارة معروفة في عائلتها بأنها البنت الطيبة التي لا ترفض طلبًا لأحد. الجميع يقول عنها: “سارة قلبها أبيض، وسارة دائمًا موجودة.” وكانت هي تسمع ذلك وتشعر بالفخر، فهي تحب عائلتها وتحب أن تكون سندًا لهم.
لكن مع مرور الوقت بدأت سارة تشعر بشيء غريب… شعور بالتعب الداخلي، وكأنها تحمل أكثر مما تستطيع.
في أحد الأيام، كانت قد عادت من عملها مرهقة بعد يوم طويل. جلست قليلًا لتحاول أن ترتاح، لكن هاتفها رنّ. كانت أختها.
قالت أختها:
“سارة، ممكن تيجي عندي شوية؟ عندي مشوار ضروري ومش لاقية حد يقعد مع الأولاد.”
كانت سارة متعبة جدًا، لكنها كعادتها قالت:
“حاضر، ماشي.”
وأغلقت الهاتف، وارتدت ملابسها وذهبت.
تكرر الأمر كثيرًا.
مرة تطلب منها عمّتها أن تأتي لتجلس معها لأنها تشعر بالوحدة.
ومرة يطلب منها ابن خالتها أن تساعده في إنهاء بعض الأوراق الخاصة بعمله.
وفي كل مرة كانت سارة توافق… حتى لو كانت مرهقة أو مشغولة.
وذات يوم قررت سارة أن تقضي يوم الجمعة في المنزل لترتاح. كانت تشعر بإرهاق شديد وتحتاج إلى بعض الهدوء.
لكن في الصباح اتصلت بها والدتها قائلة:
“خالتك ستزورنا اليوم، تعالي بسرعة وساعدينا في تحضير الطعام.”
ترددت سارة قليلًا ثم قالت بهدوء:
“ماما، أنا متعبة جدًا اليوم… ممكن أزوركم في يوم آخر؟”
جاء الرد سريعًا:
“هو نحن نطلب منك شيئًا لأنفسنا؟ هذا واجبك تجاه عائلتك.”
أغلقت سارة الهاتف وبقيت صامتة. بدأت تفكر:
هل أنا فعلًا مقصّرة؟
أم أنني اعتدت أن أقول “نعم” لكل شيء حتى ظنّ الجميع أنني قادرة على فعل كل شيء دائمًا؟
في تلك اللحظة فهمت سارة أمرًا مهمًا.
أن وجود حدود في العائلة لا يعني قلة الحب، بل يعني احترام الإنسان لنفسه وطاقته.
فالحدود ليست رفضًا للآخرين، بل هي طريقة نقول بها:
“أنا أحبكم، لكن لدي طاقة محدودة مثل أي إنسان.”
بعد ذلك بدأت سارة تغيّر بعض الأمور الصغيرة.
عندما يطلب منها أحد شيئًا وهي مرهقة، تقول بلطف:
“أعتذر، لا أستطيع هذه المرة.”
في البداية استغرب البعض، بل إن بعضهم تضايق.
لكن مع الوقت بدأوا يفهمون أن سارة ما زالت تحبهم… لكنها لم تعد تتجاهل نفسها دائمًا.
الحقيقة التي أدركتها سارة متأخرة هي أن كثيرًا من الناس لا يتجاوزون حدودنا لأنهم سيئون، بل لأننا لم نوضح هذه الحدود منذ البداية.
ففي العائلة، الحب مهم جدًا…
لكن الحب بدون حدود قد يتحول أحيانًا إلى استنزاف صامت.

