المرأة منوعات
أخر الأخبار

الدكتورة دعاء محيي الدين.. رائدة من رواد الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات في مصر 

الذكاء الاصطناعي يكشف أفقًا علميًا جديدًا بين أسرار ذاكرة الدماغ والقلب

د. دعاء محيي الدين

مدرس بقسم الذكاء الاصطناعي

كلية الحاسبات ونظم المعلومات

الجامعة المصرية الصينية

 

يشهد الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة، حيث تعددت أنواعه وتوسعت تطبيقاته بشكل لافت. ومع هذا التطور المتسارع، يظل سؤال جوهري مطروحًا: هل يمكن للآلة أن تحاكي الذكاء البشري بذات الكفاءة والعمق؟

 

رغم قدرة الأنظمة الذكية على تنفيذ ملايين العمليات الحسابية في أجزاء من الثانية، واتخاذ قرارات دقيقة في مواقف معقدة، فإنها لا تزال تفتقر إلى التكامل الحسي والإدراكي الذي يتميز به الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالتفاعل بين الذاكرة والمشاعر والحالة الفسيولوجية. ومن هنا بدأ اتجاه بحثي حديث يسعى إلى استكشاف العلاقة بين الفيزياء المتقدمة — بما فيها الطروحات الكمومية — وبين أكثر أجهزة الإنسان تعقيدًا: الدماغ والقلب.

 

من النموذج الكهربائي إلى النموذج المتكامل

 

لطالما فُسِّر الدماغ بوصفه نظامًا كهرومغناطيسيًا-كيميائيًا، يعتمد على إشارات كهربائية ومواد كيميائية تُعرف بالنواقل العصبية تنتقل عبر التشابكات العصبية الدقيقة. وقد حاولت الشبكات العصبية الاصطناعية محاكاة هذا النظام عبر تمثيل الخلايا العصبية والروابط بينها بخوارزميات رياضية تحاكي التعلم والإدراك.

 

لكن التوجه الجديد لم يعد يقتصر على الدماغ وحده، بل امتد إلى دراسة ما يُعرف بذاكرة القلب. فقد أثبتت الأبحاث في مجال علم الأعصاب القلبي (Neurocardiology) أن القلب لا يعمل كمضخة دم فقط، بل يحتوي على جهاز عصبي داخلي مستقل يُسمى Intrinsic Cardiac Nervous System، يضم ما يقارب 40 ألف خلية عصبية، ويتواصل مباشرة مع الدماغ عبر العصب الحائر (Vagus Nerve). هذا التفاعل يؤدي إلى ما يسمى بالتزامن القلبي–الدماغي (Heart–Brain Coherence)، وهو عامل مؤثر في الحالة العاطفية واتخاذ القرار.

 

ذاكرة الدماغ: الأساس العلمي

 

تُعد ذاكرة الدماغ حقيقة علمية راسخة، وتشمل أنماطًا متعددة مثل:

 

الذاكرة قصيرة المدى

 

الذاكرة طويلة المدى

 

الذاكرة الدلالية

 

الذاكرة الإجرائية

 

الذاكرة العاطفية

 

 

بيولوجيًا، تعتمد هذه الأنواع على اللدونة المشبكية (Synaptic Plasticity)، وتقوية الروابط العصبية طويلة المدى (LTP)، إضافة إلى ديناميكيات الشبكات العصبية.

 

أما رياضيًا، فقد جرى تمثيلها عبر نماذج الشبكات العصبية الاصطناعية، مثل الشبكات المتكررة (RNN)، ونماذج LSTM وGRU، وكذلك نماذج Hopfield والمعادلات الديناميكية غير الخطية التي تحاكي استرجاع الأنماط المخزنة.

 

ذاكرة القلب: البعد الفسيولوجي الجديد

 

أحد أبرز المؤشرات الفسيولوجية المرتبطة بالقلب هو تباين معدل ضربات القلب (Heart Rate Variability – HRV)، والذي يعكس ديناميكية الجهاز العصبي الذاتي واستجابته للضغوط والانفعالات. ويمكن النظر إلى HRV باعتباره نموذجًا ديناميكيًا يمكن إدخاله في أنظمة الذكاء الاصطناعي كمتغير تنظيمي داخلي يعكس “الحالة الحيوية” للنظام.

 

نحو نموذج ذكاء اصطناعي متكامل

 

الطرح البحثي الجديد يقترح بناء نموذج ذكاء اصطناعي ثلاثي الطبقات:

 

1. طبقة إدراكية تمثل المعالجة المعرفية التقليدية.

 

 

2. طبقة فسيولوجية تمثل المؤشرات الحيوية مثل HRV.

 

 

3. طبقة تكاملية تدمج بين الإشارات المعرفية والحيوية لإنتاج استجابة أكثر اتزانًا.

 

 

 

رياضيًا يمكن التعبير عن ذلك بإضافة متغير يمثل الحالة الفسيولوجية إلى معادلات الشبكات العصبية العاطفية (Affective Neural Networks)، بحيث تصبح المعادلة على سبيل المثال:

 

 

 

حيث:

 

 تمثل المدخلات المعرفية

 

 تمثل المدخلات الحيوية (مثل HRV)

 

 وزن التأثير القلبي

 

 دالة التنشيط

 

 

بهذا يصبح النظام قادرًا على محاكاة تفاعل العقل والقلب في آنٍ واحد، وليس فقط محاكاة السلوك الظاهري للإنسان.

 

ما بين النظرية والتطبيق

 

رغم نجاح العديد من نماذج علم الأعصاب الاصطناعي في تفسير آليات التعلم والإدراك دون الحاجة إلى افتراضات كمومية، فإن دمج الذاكرة الفسيولوجية ضمن الخوارزميات يمثل مسارًا بحثيًا واعدًا يحتاج إلى مزيد من البيانات والتجارب السريرية والتقنية.

 

إن الوصول إلى ذكاء اصطناعي يمتلك بُعدًا “مشاعريًا” مبنيًا على تكامل فيزيولوجي–معرفي قد يفتح الباب أمام جيل جديد من الأنظمة القادرة على اتخاذ قرارات أكثر دقة وتعقيدًا، بسرعة تفوق الأنظمة الحالية، وبقدرة أعلى على فهم السياق الإنساني.

 

وهكذا لم يعد الهدف هو مجرد محاكاة أفعال الإنسان اليومية، بل بناء نموذج تقني متقدم يستلهم آليات العقل والقلب معًا، ليقترب خطوة جديدة من فهم سر الذكاء البشري في أعمق مستوياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى